ابن عبد البر

277

الدرر في اختصار المغازي والسير

ما يفعل . فخرج رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه ، حتى أتى ذا الحليفة « 1 » . ونفست « 2 » أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : اغتسلي واستثفرى « 3 » بثوب ، ثم أهلّى « 4 » . فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد : لبّيك اللهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إن الحمد والنعمة لك ، والملك ، لا شريك لك . قال : ولبّى الناس ، والناس يزيدون : ذا المعارج ونحوه من الكلام ، ورسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، يسمع ولا يقول لهم شيئا . فنظرت مدّ « 5 » بصرى بين يدي رسول اللّه ، من راكب وماش ، ومن خلفه مثل ذلك ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن شماله مثل ذلك . قال جابر : ورسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، بين أظهرنا ينزل عليه القرآن ، وهو يعلم تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا . فخرجنا لا ننوي إلا الحج حتى أتينا الكعبة « 6 » ، فاستلم رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، الحجر الأسود ، ثم رمل « 7 » ثلاثا / ومشى أربعا . حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين وقرأ : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) . قال جعفر : قال أبى : فقرأ فيهما « 8 » بالتوحيد : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) . ثم استلم الحجر [ الأسود ] ثم خرج إلى الصّفا فقال : نبدأ مما بدأ اللّه به وقرأ : ( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ) . ورقى على الصفا حتى

--> ( 1 ) ذو الحليفة : ميقات أهل المدينة على بعد ستة أميال منها ، وفيه يحرمون بالحج أو العمرة أو بهما معا . واختلف العلماء هل قرن الرسول في اهلاله ( احرامه ) الحج بالعمرة ، أو أهل بالحج وحده أو بالعمرة وحدها ثم جمع إليها الحج في مكة ، والأرجح انه قرنهما معا . ( 2 ) نفست : من النفاس ، إذ ولدت ابنها محمدا ( 3 ) استثفرى : احتجزى أثر النفاس والدم بقطعة من ثوب . ( 4 ) أهلي : أحرمى ، والاهلال : رفع الصوت بالتلبية . ( 5 ) مد بصرى : منتهى بصرى . ( 6 ) في ذلك ما يدل على أنه ينبغي للحاج ان يدخل مكة ويطوف طواف القدوم قبل الوقوف بعرفات . ( 7 ) رمل : هرول . ثلاثا : أي ثلاث مرات والهرولة والمشي جميعا من الحجر الأسود إلى الحجر بسكون الجيم أو الركن اليماني وهو طواف القدوم ، وهو سبعة أشواط . وهو تحية البيت الحرام . ( 8 ) فيهما : أي في الركعتين بأم القرآن ثم بالسورتين القصيرتين التاليتين ، في كل ركعة سورة .